عبد الله بن الرحمن الدارمي
89
مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني )
يخالفه بقول علي في مسألة أخرى ، وقد ظهر من أصحاب أبي حنيفة أنهم وافقوه مرة ، وخالفوه أخرى بحسب ما تتضح لهم الحجة ، ولم يكن المذهب في الشريعة عمريا ، ولا علويا ، بل النسبة كانت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فكانوا قرونا أثنى عليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالخير ، فكانوا يرون الحجة لا علماءهم ولا نفوسهم ، فلما ذهبت التقوى عن عامة القرن الرابع ، وكسلوا عن طلب الحجج ، جعلوا علماءهم حجة واتبعوهم ، فصار بعضهم حنفيا ، وبعضهم مالكيا ، وبعضهم شافعيا ، ينصرون الحجة بالرجال ، ويعتقدون الصحة بالميلاد على ذلك المذهب ، ثم كل قرن بعدهم اتبع عالمه كيف ما أصابه بلا تمييز ، حتى تبدلت السنن بالبدع ، فضل الحق بين الهوى » . وقد صور ولي اللّه الدهلوي فتنة الجدل والتعصب للرجال والخلاف والتعمق والتنطع بأنها « قريبة من الفتنة الأولى حين تشاجروا في الملك وانتصر كل رجل لصاحبه ، فكما أعقبت تلك ملكا عضوضا ووقائع صماء عمياء ، فكذلك أعقبت هذه جهلا واختلاطا وشكوكا وو هما ما لها من إرجاء ، فنشأت بعدهم قرون على التقليد الصرف لا يميزون الحق من الباطل ، ولا الجدل من الاستنباط . فالفقيه يومئذ : هو الثرثار المتشدق الذي حفظ أقوال الفقهاء قويها وضعيفها من غير تمييز ، وسردها بشقشقة شدقية . والمحدث : هو من عدّ الأحاديث صحيحها وسقيمها ، وهذّها كهذّ الأسمار بقوة لحييه . ولا أقول ذلك كليا مطردا ، فإن للّه طائفة من عباده لا يضرهم من خذلهم ، وهم حجة اللّه في أرضه وإن قلّوا » . وهذا يقودنا إلى القول : لقد قدمنا أن الإيمان إذا استقر في القلب لا بد